أبو الليث السمرقندي

360

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

أي بشهادة أن لا إله إلا اللّه ، ويقال : ببيان الحق . ويقال : للحق ، يعني للعرض والحجة وقوله تعالى : قَدْ جاءَكُمُ على وجه المجاز ، لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد كان فيهم ، ولكن معناه أنه قد ظهر فيكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما قال في آية أخرى لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ سورة التوبة : 128 ] أي ظهر فيكم ثم قال : فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ أي صدقوا بوحدانية اللّه تعالى ، والقرآن الذي جاءكم به محمد صلى اللّه عليه وسلم خيرا لكم من عبادة الأوثان ، لأن عبادة الأوثان لا تغنيكم شيئا . ثم قال تعالى : وَإِنْ تَكْفُرُوا أي إن تجحدوا باللّه وبمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإن اللّه غنيّ عنكم فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كلهم عبيده وإماؤه وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً في أمره . ثم قال تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ قال الضحاك : أي لا تكذبوا في دينكم . وقال بعض أهل اللغة : الغلو مجاوزة القدر في الظلم . ويقال : الغلو أن تجاوز ما حدّ لك . وقال القتبي : يعني لا تفرطوا في دينكم ، فإن دين اللّه بين المقصر والغالي . وغلا في القول إذا تجاوز المقدار . وقال ابن عباس : وذلك أن اليعقوبية وهم صنف من النصارى قالوا : عيسى هو اللّه . وقالت النسطورية : هو ابن اللّه . وقالت المرقوسية - ويقال لهم الملكانية - : هو ثالث ثلاثة ، فنزل يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ . قال مقاتل : الغلو في الدين أن يقول على اللّه غير الحق . ويقال : لا تتعمقوا في دينكم . ثم قال تعالى : وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ يعني : لا تصنعوا باللّه بما لا يليق بصفاته ، فإن اللّه تعالى واحد لا شريك له ولا ولد له . ثم قال تعالى : إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وهو قوله كُنْ فَيَكُونُ * [ سورة النحل : 40 ] ثم قال : وَرُوحٌ مِنْهُ قال ابن عباس في رواية الكلبي : يعني أمر منه فأتاها جبريل ، فنفخ في جيب درعها فدخلت تلك النفخة بطنها ، ثم وصل إلى عيسى ابن مريم فتحرك في بطنها وأمه أمة اللّه تعالى فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني : صدقوا بوحدانية اللّه تعالى وبما جاءكم به الرسل من اللّه تعالى وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ يعني : لا تقولوا إن اللّه ثالث ثلاثة انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ يقول : توبوا إلى اللّه تعالى من مقالتكم ، فالتوبة خير لكن من الإصرار على الكفر إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ ثم نزّه نفسه عما قال الكفار فقال : سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ . ثم قال تعالى : لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا يعني كفيلا ويقال شاهدا ولا شاهد أفضل منه . قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 172 إلى 173 ] لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ( 172 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 173 )